مؤتمر ليلة القدر

مؤتمر ليلة القدر

دعا صالح بن يوسف وصالح فرحات والدكتور أحمد بن ميلاد إلى عقد مؤتمر سري بدار المناضل محمد بن جراد بنهج الملاحة بترنجة ليلة 27 رمضان الموافق لـ 23 أوت 1946 الذي اشتهر بمؤتمر ليلة القدر لوضع خطة موحدة يتفق عليها الجميع لمقاومة المستعمر. وقد ضم المؤتمر 300 شخصية وطنية من مختلف الطبقات والاتجاهات السياسية والهيئات الوطنية – باستثناء الحزب الشيوعي- لتحرير ميثاق للشعب التونسي يعلن استقلاله.وأسندت رئاسة المؤتمر إلى رئيس سابق للدائرة الجنائية بوزارة العدل وهو القاضي العروسي الحداد الذي افتتح الاجتماع وسط التصفيق الحاد بهذه الكلمات: “طيلة مباشرتي لمهمتي القضائية طالبت بإعدام المجرمين، وها أنا اليوم أصدر حكمي بالإعدام على نظام الحماية”. ثم شهّر صالح فرحات باعتداءات الحكومة الفرنسة على السيادة التونسية وبخلعها المنصف باي وبعجز الدولة الحامية عن الدفاع عن الدولة المحمية،الأمر الذي يخول للتونسيين أن يعلنوا “استقلال تونس التام” .

ولم يتمكن الأستاذ صالح بن يوسف الكاتب العام للحزب الدستوري الجديد من إنهاء خطابه بعد أن اقتحمت قوات الشرطة المحل. وقبل انتهاء الاجتماع سأل الخطيب الحاضرين: “هل انتم مجمعون على إعلان استقلال تونس؟” فأجابوا بصوت واحد: “الاستقلال… الاستقلال!” “الحرية… الحرية!”، ثم ألقي القبض على خمسين شخصية من بين الحاضرين ولم تتمكن الشرطة من العثور على الوثائق. إذ تمكن الهادي نويرة الذي حرر اللائحة من الفرار على طريق المدخنة ونجا هكذا حاملا معه الوثائق.

وقد روى محمد شنيق للشاذلي خير الله وقائع المؤتمر كما يلي:

“….كانت هناك سيارة مجهزة براديو استخبارات استعملها الأعوان لإبلاغ الجنرال “ماسط” Mast عن هوية الشخصيات التي حضرت الاجتماع وعلى إثر مغادرتهم فرادى مقر الاجتماع جمعوا المتبقين في مجموعتين يمينا وشمالا. على اثر إطلاق سراح البعض صدرت أوامر بإيقاف الآخرين.

كنت مع صالح بن يوسف والفاضل بن عاشور من بين الخمسين الذين صعّدوهم السيارات التي نقلتنا إلى مقر المحكمة العسكرية خلف القصبة. ثم تولى “كوميسار” استنطاقنا للكشف عن هويتنا وأخذونا إلى قاعة كبيرة أين وجدت فتحي زهير، وصالح فرحات، والدكتورين بن سليمان وبن زينة. كنا في شهر رمضان وقد انتصف الليل فقدموا لنا “كسكسي” حلو للسحور (مسفوف)…..”.

من الغد أطلق سراح عدد من الموقوفين واقتيد البعض الآخر إلى السجن المدني.”…ومن المسجونين الشهيرين صالح بن يوسف وفتحي زهير وصالح فرحات ومحمد الفاضل بن عاشور وأخوه عبد الملك والطيب العنابي والصحبي فرحات والمنجي سليم وسليمان بن سليمان وعلي البلهوان والباهي الادغم، وأحمد بن ميلاد وعمار الدخلاوي، الخ… واحتفل الوطنيون في السجن بعيد الفطر.

وفي سبتمبر 1946 أطلق سراحهم فأقام لهم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور حفلا كبيرا بالمرسى احتفاء بهم، تخلـّلته خطب حماسية تكريما وعرفانا لهم بمواقفهم الوطنية. وألقى الشاعر القيرواني محمد يونس قصيدة جاء في مطلعها: