مصر هبة النيل

مصر هبة النيل

هكذا كان يقصد هيرودوت قبل ألفى وخمسمائة سنة، فتلك الحضارة التي ازدهرت علي ضفافه، ما كانت لتكون لولا ماء النيل وطميه المتجدد مع كل عام جديد، ضامنا إلى الأبد خصوبة التربة وما تطرح من ثمار، وهو ما يمكن أن تلاحظه عندما تري مصر لأول مرة من نافذة الطائرة في الجو، شريط أزرق طويل ، يحيط به من الأطراف شريطان أخضران ينتهي بدلتا مثلثة الشكل، ومن خلفهما تترامى الرمال الصفراء بلا حدود.

مصر هبة النيل لم يبالغ العالم الفرنسي جاك فاندييه في دراسته “المجاعة في مصر القديمة”، عندما أشار إلى أن نهر النيل هو الأساس الذي اعتمدت عليه الحياة المادية والاجتماعية في مصر، لذا إجتهد المصري القديم في ابتكار طرق تهدف إلى الاستفادة من مياه النهر، وذلك من خلال تنظيم الري وحفر الترع لزراعة أكبر مساحة ممكنة من أرض الوادي.

“أطلق المصريون القدماء على نهر النيل في اللغة المصرية القديمة “إيترو عا”، بمعنى “النهر العظيم”، وتشير الأصول اللغوية لكلمة النيل إلى أنها من أصل اليوناني “نيلوس”، بيد أن آخرين تحدثوا عن أصول فينيقية للكلمة اشتقت من الكلمة السامية “نهل”، بمعنى مجرى أو نهر، كما أن المؤرخ اليوناني ديودور الصقلي يؤكد إن النيل أُطلق عليه هذا الاسم تخليدا لذكرى ملك يدعى “نيلوس”، اعتلى عرش البلاد وحفر الترع والقنوات فأطلق المصريون اسمه على نهرهم، وتُستخدم “نيلوس” كاسم علم مذكر بحسب عقد بيع مدوّن على بردية يعود إلى العصر الروماني، يحتفظ به المتحف المصري، بين رجل يدعى “نيلوس” وآخر يدعى “إسيدوروس”.

في كتابة الموسوعي “حضارة مصر القديمة”، والتي خرجت ضمن إصدارات وزارة الآثار المصرية، أكد العالم المصري رمضان عبده، أن كلمة النيل مشتقة من أصل مصري صميم من العبارة “نا إيترو”، والتي تعني النهر ذو الفروع، كما أطلق المصريون على مجرى النهر اسم “حبت إنت إيترو”، أي مجرى النهر، وأطلقوا على فروع النيل في أرض مصر “إيترو نوكيمت”، أي فروع الأرض السوداء.

“أرسلني سيدي صاحب الجلالة “مر-إن-رع”، في صحبة والدي، الصديق الأوحد، والكاهن المرتل إيري إلى بلاد يام لاستكشاف دروبها، أنجزت هذه المهمة في غضون سبعة أشهر، وجلبت منها شتى أشكال “الهدايا” الجميلة منها والنادرة ونلت من أجل ذلك المديح كل المديح”.. نص هيروغليفي نقلته العالمة الفرنسية كلير لالويت في دراستها “الفراعنة في مملكة مصر زمن الملوك الآلهة”، وهي مذكرات لحاكم الجنوب الملك “حرخوف”، والذي سجل وقائع رحلاته الاستكشافية إلى أفريقيا بناء على أوامر من الملكين “مر-إن-رع” و”بيبي الثاني” حوالي 2200 قبل الميلاد.

لقد أدرك المصريين القدماء أن نهر النيل هو رب الحياة التي خلقت حضارتهم، لذا نظروا له بعين القداسة، وخصصوا له عددا من الأرباب أشهرهم الإله “حعبي”، والذي يمثل فيضان النيل سنويا، ومصدر الحياة الأولى عموما “بداية الخلق” ومصدر الحياة الأولى للمصري القديم، وقد وصف بـ”سيد القرابين” وكان أهم دورًا له كمعبود تجسيد فيضان النيل، لذا جاء ذكره كثيرا فيما يعرف بـ”أناشيد النيل”، وضمن فقرات في “نصوص التوابيت”، كما أُطلق عليه أيضا “سيد الفيضان” و”رب أزلي” و”خالق” و”رب الأرباب” و”أقدم الأرباب”، كما وصف بـ”سيد الكل”، الذي يحدث التوازن في الكون.

“المديح لك يا حعبي، الذي يخرج من الأرض، ويأتي ليعيد الحياة لمصر”.. ويرجع أقدم ظهور للمعبود حعبي كرب للفيضان إلى عصر الدولة القديمة، ويعود أقدم تصوير له إلى عهد الملك سنفرو، ومنذ بداية الأسرة الخامسة بدأ تصوير حعبي ضمن أرباب الخصوبة في معبد الملك “ساحورع”، كما صُور على هيئة رجل ممتليء الجسم له ثديان كبيران يتدفق منهما الماء، كرمز للخصوبة والنماء.

من يطالع بردية تورينو، والتي تعود إلأي الاسرة التاسعة عشرة، أحد النصوص العظيمة التي تمدح نهر النيل وتبرز دوره في الحضارة المصرية، يقول: “إنه هو الذي يروي المراعي، هو المخلوق من رع (إله الشمس) ليغذي الماشية، وهو الذي يسقي الأرض الصحراوية البعيدة عن الماء. ماؤه هو الذي يسقط من السماء، إنه هو الذي يأتي بالقوت، وهو الذي يكثر الطعام، وهو الذي يخلق كل شيء طيب، ويمدحه الناس”.

ولتكريم النهر العظيم، ورغم أنها اسطورة لم يرد ذكرها في النصوص المصرية القديمة من قريب أو بعيد لها، جاء ذكر “عروس النيل” في كتاب “فتوح مصر والمغرب” لعبد الرحمن بن عبد الحكم، ونقلها عنه كثيرون وتوارثوها، وذلك رغم أنه من الثابت في المعتقد الديني المصري عدم تقديم قرابين بشرية إلي معبود مهما علا شأنه، كما توجد لوحات وبرديات تصف أحوال النيل وفيضانه وأزماته، لم يرد فيها أي ذكر لـ”عروس النيل” العذراء التي تُقدم كقربان للنيل.

“فليحيا الإله الكامل، الذي في الأمواه، إنه غذاء مصر وطعامها ومؤونتها، إنه يسمح لكل امريء أن يحيا، الوفرة على طريقه، والغذاء على أصابعه، وعندما يعود يفرح البشر، كل البشر”، هكذا عبر أجدادنا المصريين القدماء في ترنيمة دونوها في نصوصهم الأدبية، تبرز قدر عرفانهم لنهر النيل، جاعلين منه الإله الخالق لمصر، واهب الحياة والخُلد لها منذ القدم.