من اشهر تماثيل الفنان محمود مختار

من اشهر تماثيل الفنان محمود مختار
من اشهر تماثيل الفنان محمود مختار

تماثيل سعد زغلول نحت محمود مختار تمثالي الزعيم المصري الشعبي سعد زغلول بالقاهرة والإسكندرية في الفترة ما بين عامي 1930-1933.

ولد محمود مختار في ‏10‏ مايو ‏1891‏ بطنباره أحدى قري المحلة الكبرى وكان والده الشيخ ابراهيم العيسوي عمدة القرية. ثم انتقل بعد ذلك إلى قرية نشا إحدى قري محافظة المنصورة وهناك بدأت مواهبه الفنية تتشكل ووعيه الفني يتشرب استعداداً للمرحلة الجديدة في حياته.

عاش “مختار” أغلب أطوار حياته وحظه من المال قليل. لم يحرص على متاع في الدنيا من مال أو زواج حرصه على خدمة فنه وأداء رساله. ولد في 10 مايو من عام 1891. ووالده “الشيخ إبراهيم العيسوي” وأمه إحدة بنات “البدراوي أبو أحمد”. وأصول الأسرة تمتد إلى الخليفة الراشد “علي بن أبي طالب” ، وفي البيت كان يستمع إلى قصة أجداده ، ويقضي طفولته على ضفة الترعة تحت شجرة الجميز. ويصنع من الطين خيولا وفرسانا وجواري. ثم يحمل التماثيل إلى الفرن في البيت فيجففها. وألحقوه بالكتاب ولكنه كان يهرب إلى شاطئ الترعة يتابع هوايته. وأقامت الأسرة في القاهرة وتعددت الإقامة بين حوش الشرقاوي والحنفي وعابدين. وكان أقرانه يطلقون عليه .. “العمدة”. وعندما أسس “الأمير يوسف كمال” مدرسة الفنون الجميلة بدرب الجماميز في 13 مايو عام 1908″ كان “محمود مختار” في السابعة عشرة من عمره. فذهب “مختار” وقابل ناظر المدرسة ووافق على قبوله في عداد تلاميذ المدرسة.

وفي إحدى المظاهرات إنقض على حكمدار القاهرة الإنجليزي وجذبه من على حصانه فهوى إلى الأرض. قبض عليه وأودع السجن ثم أفرج عنه بعد 15 يوما. وعاد إلى المدرسة يقود الطلاب إلى الحركة الوطنية وفصلوه من المدرسة ومعه زميلاه “يوسف كامل ومحمد حسن” . وعام 1910م إشترك في معرض لأعمال طلبة مدرسة الفنون الجميلة بكلوب محمد علي بشارع المدابغ ولقيت أعمال مختار كل إعجاب وتقدير. وبعث به “الأمير يوسف كمال” إلى باريس لإتمام دراسته هناك ، ثم هفه شوقه إلى مصر فعاد إليها فترة قصـيرة وسافر إلى باريس ، وكانت الحرب العالمية الأولى “1914-1918” فقد فرقت الصحاب وإضطر إلى العمل في مصانع الذخيرة يعمل عشر ساعات ليلا في إعداد القنايل وحمل الذخائر.

تمثال نهضة مصر

سافر محمود مختار عام ‏1911 إلى باريس ليعرض نموذج لتمثاله الشهير نهضة مصر ، بمعرض شهير آنذاك وهو معرض الفنانين الفرنسيين ‏1920 ونال عليه شهادة الشرف من القائمين على المعرض ، ذلك التشريف الذي جعل بعض المفكرين البارزين في ذلك الوقت وحدا بهم إلى ضرورة إقامة التمثال في أحد ميادين القاهرة الكبرى.

ولأنجاز ذلك الهدف الشعبي في ذلك الوقت ، تمت الدعوة إلى تنظيم اكتتاب شعبي لإقامة التمثال وساهمت فيه الحكومة ، وتحقق الحلم وكشف عنه الستار عام‏ 1928 ولازال قائماً إلى الآن أمام حديقة الحيوان بالقاهرة.

وهو في باريس إستطاع أن يصنع لبلاده ، وهو يعيد عنها رمزا لنهضتها ، لقد صاغ فكرته عن “تمثال نهضة مصر” فقال عنه أستاذه “لابلاني” في مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة ، وكان يقضي إجازته في أوروبا: “إن مختار سيكون فخرا لمصر بل فخرا للعالم”. وكانت فكرة التمثال تعبيرا عن اليقظة التي بدأت في بلاده .. الفلاحة المصرية أم الأجيال التي أقامت حضارة مصر وأبو الهول رمز الحضارة المصرية القديمة” .. وكان يزمع أن يقدم نموذج تمثاله هذا في المعرض الكبير المزمع إقامته في باريس. وكان “سعد زغلول” هناك يرأس وفد الدعوة لقضية مصر. وشهد رجال الوفد أعمال مختار في متحف “جريفان” وتمثال النهضة ، وأدركوا أن هذا الفنان يجب أن يحتل مكانه اللائق في بلاده. وكان “ويصا واصف” عضو الوفد في باريس أكثر أعضاء الوفد ملازمة لمختار ومتابعة أعماله ، ويبدو أنه كان صلة الوصل بين مختار والزعيم “سعد زغلول” . وأقام الوفد حفل تكريم لمختار حضره جميع أعضاء الوفد وأعضاء الجماعة المصرية في باريس.

وإنتقلت أخبار “تمثال النهضة” إلى مصر. ووضع “أمين الرافعي” رئيس تحرير جريدة “الأخبار” الجريدة تحت تصرف الدعاة لتمثال نهضة مصر ، فكتب “محيى الدين حفني ناصف وحافظ عفيفي وواصف غالي وويصا واصف وأمين الرافعي” نداء إلى الأمة للإكتتاب لإقامة تمثال نهضتها وقدموا “مختار” للأمة. وإنطلق إسم “محمود مختار” سريعا بين الجماهير وإعتبروه بطلا قوميا. وأقيم إحتفال بالقاهرة وإحتفال بالإسكندرية ، وبدأت حركة الإكتتاب وأخذت الأقاليم وأفراد الشعب يتنافسون في مجال التبرع . وتوالت مقالات الكتاب وقصائد الشعراء.

مسيرة التمثال

وتشكلت لجنة التمثال برئاسة “حسين رشدي باشا” الذي كان رئيسا للوزراء في عدة وزارات ، وعضوية “واصف غالي وويصا واصف وحافظ عفيفي وأمين الرافعي ، ومحمد محمود خليل وعبد الخالق مدكور وفؤاد سلطان وعبد القوي أحمد”. ووقعت أول أزمة للتمثال في وزارة “عدلي يكن باشا” الأولى “16 مارس – 24 ديسمبر عام 1921”. وعلى الرغم من إهتمام “عدلي يكن” بالتمثال إلا أن ووزارة الأشغال التي رأت أن التمثال يقع في إختصاصها طلبت من “محمود مختار” شهادة بحسن السير والسلوك. وهنا ظهرت شخصية “مختار” الذي يحترم فنه ويعرف قيمة الفن في المجتمع كتب رسالة إلى “عدلي يكن” يقول فيها: “كنت أرى دائما يا صحاب الدولة أن إشراف الإدارة الحكومية في الحالة الراهنة على شئون الفن ليس فقط عديم الفائدة ولكنه ضار. أليس مضحكا ومثيرا في الوقت نفسه وصاية وزارة الأشغال على الفنون الجميلة. وجاء رده على طلب وزارة الأشغال له بتقديم شهادة حسن سير وسلوك “لقد طلب مني أن أقدم شهادة حسن سير وسلوك ، ولما كنت سيئ السلوك والخلق وقضيت في السجن خمسة عشر يوما وأنني أعزب فأنا في إستحالة مطلقة من أن أقدم الشهادة وقضي على ألا أكون أبدا موظفا حكوميا”. وإهتم “عدلي يكن” بالرسالة وزار مختار في موقع التمثال.

وكان الأهالي قد جمعوا 6500 جنيه “ستة آلاف وخمسائة” وتبرعت مصلحة السكك الحديدية بنقل الأحجار من أسوان إلى القاهرة .. وخصصت وزارة “عبد الخالق ثروت الأولى” “أول مارس – 29 نوفمبر عام 1922” مبلغ 3000 جنيه “ثلاث آلاف جنيه” .. ثم تعثر العمل في التمثال وأوقع “أولاد الحرام” بين مختار و”الأمير يوسف كمال” فأفسدوا العلاقة القوية بينهما .. وظل الأمر على هذه الحال إلى أن جاء “سعد زغلول” رئيسا للوزارة الشعبية ووقف “ويصا واصف” في برلمان الشعب يدافع عن تمثال النهضة ويدعو الحكومة إلى تخصيص الإعتماد اللازم لإستكماله ، فأعلن “سعد زغلول” رئيس الوزارة الشعبية الأولى “يناير – نوفمبر عام 1924” أن حكومة النهضة يجبأ تتكفل بتمثال النهضة. ووضع “المهندس عثمان محرم” بتكليف من “سعد زغلول” تفاصيل المشروع . وصدر قرار من وزير المعارف بوزارة “سعد زغلول” محمد سعيد باشا بتشكيل لجنة سميت “لجنة الفنون الجميلة” ضمت إلى عضويتها “محمود مختار” لمدة ثلاث سنوات ، وقررت اللجنة الإهتمام بشئون البعثان الفنية وإعتماد ميزانية للفنون الجميلة والعناية بيتنظيم الدراسات الفنية في مصر وتنظيم مدرسة الفنون الجميلة وإنشاء مصنع في أسوان لتعليم فن الجرانيت نحت التماثيل.

وتعثر المشروع بعد إستقالة “سعد باشا” من رئاسة الوزراء في “نوفمبر عام 1924” ، وظل على هذه الحال إلى أن جاءت وزارة “عدلي يكن الثانية” “7 يونيو 1926-21 إبريل عام 1927”. وكان “عدلي” رئيسا للوزارة و”سعد” رئيسا لمجلس النواب ، و”رشدي” رئيسا لمجلس الشيوخ .. ووقثف “ويصا واصف” في البرلمان يدافع عن “التمثال” وقرر البرلمان إجراء تحقيق في تعثر المشروع .. وإعتمد البرلمان المبالغ اللازمة لإتمام التمثال ، وتعاقدت الحكومة على إنجازه في 13 شهرا.

وأزيج الستار عن التمثال

وفي أولى وزارات الإئتلافات الوفدية “7 يونيو عام 1926 – 21 إبريل عام 1927” ، وكانت هي الوزارة الثانية لعدلي يكن وشارك فيها من الوفد: محمد فتح الله بركات للزراعة ، ومرقص حنا للمالية ، ومحمد نجيب الغرابلي باشا للأوقاف وعلي الشمسي أفندي للمعارف ، وعثمان محرم بك للأشغال. وفي عهد تلك الوزارة حظيت ساحة التمثال بزيارات من “سعد زغلول” وعدلي يكن وحسين رشدي، وعبد الخالق ثروت” وعدد من أظهر شخصيات الدولة وهم جميعا يقدرون عمل مختار ويعجبون بحماسه. وأصدر وزير المعارف “علي الشمسي” قرارا بإنشاء مكتبة خاصة بوزارة المعارف تطور إلى مراقبة عامة للفنون الجميلة. وأعطيت صلاحيات للجنة الفنون الجميلة ومختار عضو بها. وإنفصلت مراقبة الفنون الجميلة عن مراقبة التعليم الصناعي. تم إنشاء “المدرسة التحضيرية للفنون الجميلة والزخرفية”.

وتقدم “مختار” لوزير المعارف “علي الشمسي” بمشروع إنشاء “مجلس أعلى للفنون برئاسة وزير المعارف” للإشراف على الحركة النفية ورسم الإتجاهات الأساسية لها ، والإهتمام بدراسة الفنون وتاريخ مصر القيدمة وعلم الجمال وفلسفة الفنون والعناية بمدرسي الرسم في المدارس وإنشاء معهد للموسيقى على أسس سليمة. وإستقبل الملك فؤاد “الفنان مختار” الذي قدم له تمثال “إمرأة القاهرة” وفي عهد وزارة “مصطفى النحاس باشا الأولى 19 مارس – 25 نوفمبر عام 1928” إنتهى العمل في التمثال وأقيم في ميدان باب الحديد “رمسيس حاليا” وأزاح الملك فؤاد الستار عن التمثال في 20 مايو عام 1928 ، وألقى رئيس الوزراء “مصطفى النحاس باشا” خطالب الدولة ، وألقى أمير الشعراء “أحمد شوقي” قصيدته: من يبلغ الكرنك الأقصري ويبني طيبة أطلالها ويسمع ثم بوادي الملوك ملوك الديار وأقبالها لقد بعث الله عهد الفنون وأخرجت الأرض مثالها وإلتقى الإحتفال الرسمي بالحماس الشعبي فجعل من إزاحة الستار يوما قوميا.

معركة النهاية

وبدأ المرض يناوش جبار الجرانيت منذ عام 1931 .. وإستقبل العام التالي وقد صار هشيما. فيهجر فرنسا إلى مصر يلتمس الدفء لجسده المكدود. وبعدها إستعاد شيئا من صحته فإنطلق مرة أخرى إلى باريس وكأنه أراد أن يودع باريس ويودع الصحاب من هناك. وفي يوليو عام 1933 ، أجريت له جراحة أضنته وإنتشرت بعدها سموم الجرح في جسده. وأعانته إرادة الحياة على الإنتصار وخيل إليه أنه خلص تمام من أمراضه. ولكن آلام الوجيعة عاودته. ولم يجد الأطباء إلا أن ينصحوه بالعودة إلى وطنه عله يجد في تربته شفاء. ودع أصدقاء وألقى نظرة حزينة على مرسمه. وكانت رحلة أسوأ رحلات حياته. وعندما إقتربت الباخرة من الإسكندرية لمعت في ذهنه فكرة جدية. أن يصنع تمثالا للإسكندر الأكبر يضعه في مدخل الإسكندرية. وكان في إنتظاره صديقه الفنان “محمود سعيد” ، وفي الصباح مضى به القطار إلى القاهرة وإستقر كعادته بفندق الكونتيننتال”. ثم إستجأر منزلا بهليوبوليس على مقربة من الصحراء إلتماسا للشمس. وفي وزارة من بعض أصدقائه حدثهم عن عزمه السفر إلى برلين ليقدم الفن المصري للشعب الألماني ، ولكن العلة إشتدت ونقلوه إلى المستشفى. وكان يحي زواره بكلمة “الوداع”. وفي 27 مارس عام 1934 خرجت القاهرة تودع “محمود مختار” وسار النعش من المستشفى وعلى مقربة من تمثال “نهضة مصر” توقف المشيعون قليلا بجثمان “مختار” .. وتكونت “جماعة أصدقاء مختار” من “هدى شعراوي والشيخ مصطفى عبد الرازق والدكتور علي إبراهيم وحافظ عفيفي وعلي الشمسي ، وعثمان محرم ، وعلي ماهر ، وبهي الدين بركات ، ود. طه حسين ، وخليل مطران ، وأحمد راسم”.