من ثمرات صلح الحديبية

من ثمرات صلح الحديبية

قيام قريش بالتوقيع على المعاهدة واقرت بوجود الدولة الإسلاميّة. – كسر شوكة المشركين والمنافقين. – معرفة المشركين وادراكهم بعزة الإسلام. -انشغال المسلمون باليهود فقاموا بغزوة خيبر بعد الصلح.

صُلح الحُديبية هو صلح عقد قربَ مكة في منطقة الحديبية التي تُسمى اليوم الشميسي، في شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة (مارس 627 م) بين المسلمين وبين مشركي قريش بمقتضاه عقدت هدنة بين الطرفين مدتها عشر سنوات فنُقضت الهدنة نتيجة اعتداء بني بكر بن عبد مناة من كنانة على بني خزاعة.

مثّل صلح الحديبية حدثاً مهماً في حياة المسلمين، ومنعطفاً بارزاً في مسيرتهم الدعوية والجهادية. وقد حمل هذا الصلح -والأحداث التي أحاطت به- الكثيرَ من الأحكام المتعلقة بالجهاد في سبيل الله، والاتفاقيات والمعاهدات التي يمكن للمسلمين أن يعقدوها مع الأعداء إذا تحققت المصلحة، وأعطاهم دروساً في فنون التفاوض، وفي فقه الموازنات.

وقد كان من بين بنود هذا الصلح أمور عدّها بعض المسلمين تنازلات غير مقبولة، لكنّ الرسول صلى الله عليه وسلم بحكمته وحنكته رأى فيها مصلحة وعزًا ونصرًا للمسلمين في القريب العاجل.

وفي هذا المقال نسلّط الضوء على أهم الفوائد والدروس والعِبَر المستفادة من هذا الصلح، لتكون للمسلمين نورًا يستضيؤون به، وهديًا يتبعونه.  

ملخّص قصّة صلح الحديبية

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأنهم يطوفون بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك، ففرحوا فرحًا شديدًا، فقد اشتد بهم الحنين إلى مكة، وإلى أداء العمرة التي حُرموا منها سنوات وسنوات. وقد طمعوا في تحقق ذلك قريبًا، فرؤيا الأنبياء حق.

خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة ستٍ من الهجرة، في ألف وأربعمئة من أصحابه من المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من العرب، وكانت بصحبته زوجته أم سلمة رضي الله عنها، وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة من ذي الحليفة، ليعلم الناس أنه إنما خرج زائرًا لهذا البيت ومعظمًا له، وأنه لا يريد حربًا.

وحين وصل إلى عسفان -مكان بين مكة والمدينة- أخبره بشر بن سفيان الكعبي أن قريشًا قد استعدّت لصدّه عن البيت، ومنْعِه من دخول مكة، فحاول النبي صلى الله عليه وسلم تجنّبهم، وسلك طريقًا آخر وعرًا بين الشعاب، فلما وصل إلى الحديبية بركت ناقته، فأقام في ذلك المكان، وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم منهجه في التعامل مع قريش: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا).

أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قريش خراش بن أمية الخزاعي، فلما دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتله فمنعهم الأحابيش، فعاد خراش بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما صنعت قريش.

ثم أرسلَ عثمانَ رضي الله عنه، وقال له: (أخْبرهُم أَنّا لم نأت لقِتَال أحد، وَإِنَّمَا جِئْنَا زوّارا لهَذَا الْبَيْت معظمين لِحُرْمَتِهِ، مَعنا الْهَدْي نَنْحَره ونَنْصَرف). فقدم عثمان مكة، وأخبر قريشًا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا، وعرضوا عليه أن يطوف بالبيت فأبى، ولقي –كما أمره رسول الله صل الله عليه وسلم- المستضعفين من المسلمين بمكة وبشّرهم بقرب الفرج والمخرج.

تأخر عثمان رضي الله عنه في الرجوع إلى المسلمين، وشاع أنه قد قُتل، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى البيعة، وكان جالسًا تحت الشجرة، فبايعه الصحابة على أن لا يفرّوا، وهذه هي بيعة الرضوان التي نزل فيها قول الله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}[الفتح:18].

بدأت الرسل بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فجاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، فحمّله رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة لقريش مفادها: (إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الحَرْبُ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً، وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرْ: فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ).

ثم جاء رجل من بني كنانة يقال له مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هَذَا مِكْرَزٌ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ)، فكلّمه ثم عاد إلى قريش، فأرسلوا إليه الحِلْسَ بنَ عَلقَمَةَ الكِنَانِيَّ -وهو يومئذ سيد الأَحَابِيش- فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَلّهونَ –أي يعظّمون الهَدْيَ- فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ) فلما رآها وسمع الصحابة وهم يُلَبُّونَ، قَالَ: سُبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فرجع ولم يصلْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: “يا معشر قريش: قد رأيت ما لا يحلّ صدّه، فقالوا: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك”!

ثم جاء عروة بن مسعود، فقال: أي محمد، أرأيت إن اسْتَأصَلْتَ قومك، هل سمعتَ بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوهًا، وأرى أوباشًا من الناس لكأني بهم قد انكشفوا عنك غدًا، فقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟ ثم كلّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما كلّم به أصحابه، فأخبره أنه لم يأتِ يريدُ حربًا، ثم قام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه: “إِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَلَا يَسْقُطُ مِنْ شَعَرِهِ شَيْءٌ إِلَّا أَخَذُوهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ”، فرجع إلى قريش فقال: “يا معشر قريش، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت مَلِكًا قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحابُ محمدٍ محمدًا، فلقد رأيت قومًا لا يُسْلِمونه لشيء أبدًا، وإنّه قد عرض عليكم خُطّة رشدٍ فاقبلوها”.