من فجع هذه بولدها

من فجع هذه بولدها

كنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في سفرٍ فانطلق لحاجته فرأينا حمَّرةً معها فرخان فأخذْنا فرخَيها فجاءت الحُمَّرةُ فجعلت تفرشُ فجاء النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال من فجع هذه بولدِها ؟ رُدُّوا ولدَها إليها . ورأى قريةَ نملٍ قد حرقناها، فقال : من حرقَ هذه ؟ قلنا : نحن، قال : إنه لا ينبغي أن يعذِّبَ بالنارِ إلا ربُّ النارِالراوي : عبدالله بن مسعود | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح أبي داودالصفحة أو الرقم: 5268 | خلاصة حكم المحدث : صحيح

جاء الإسلامُ بالرَّحمةِ لكلِّ الخَلْقِ إِنْسًا وجِنًّا وحيوانًا وطيرًا وغيرَ ذلك، ومِن مظاهر تلك الرحمة: النَّهي عنْ أنْ تُعذَّبَ الحيواناتُ بالنَّارِ أو أنْ تُفْجَعَ بأَخْذِ صِغارِها أو بَيضِها، كما في هذا الحديثِ، الذي يقولُ عبدُ الله بنُ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه: “كُنَّا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سَفَرٍ فانْطَلَق لحاجتِه”، أي: تَرَكَ المسيرَ لقضاءِ حاجتِه مِن البولِ أو الغائطِ، “فرَأَينا حُمَّرةً”، وهو طائرٌ صغيرٌ يُشْبِه العُصفورَ، “معَها فَرْخانِ فأَخَذْنا فَرْخَيْها”، والفَرْخُ هو الصَّغيرُ مِنْ أولادِ الطَّيْرِ، “فجاءتُ الحُمَّرةُ فجَعَلتْ تُفرِّشُ”، أي: تَطيرُ وتُرفْرِفُ فزعًا؛ لفَقْدِ فَرْخَيْها وصَغِيرَيْها، “فجاء النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: مَنْ فَجَعَ هذه بولَدِها؟” أي: مَنْ أَحْزَنَها وخوَّفَها بأَخْذِ صِغارِها؟ “رُدُّوا ولَدَها إليها”، أي: وأَمَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بردِّ الصِّغارِ إليها، وهذا مِنْ رحمتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

ثم قال: “ورَأى”، أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، “قريةَ نَمْلٍ قَدْ حرَّقْنَاها”، أي: حُرِّقَتْ بالنَّارِ، والمُرادُ بالقَريةِ: هي مَساكِنُها، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “مَنْ حَرَّقَ هذه؟” قال بعضُ أصحابِه رَضِيَ اللهُ عَنْهم: “نَحْنُ”، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “إنَّه لا يَنْبَغي أنْ يُعذِّبَ بالنَّارِ إلَّا ربُّ النَّارِ”، أي: ليس لأيِّ إنسانٍ أن يُعذِّب أيَّ رُوحٍ إنسانًا كانتْ أو حيوانًا؛ لأنَّه لا يُعذِّبُ بالنِّارِ إلَّا خالِقُها، وهو اللهُ عزَّ وجلَّ، وهذا نَهْيٌ صريحٌ عَن الحَرْقِ بالنَّارِ أو التَّعْذيبِ بِها؛ لأنَّه أَمْرٌ مُخْتَصٌّ باللهِ فَقَط.
وفي الحديثِ: النَّهيُ عن تفزيعِ الطُّيورِ بأَخْذِ صِغارِها.
وفيه: والنَّهيُ عن الحرقِ بالنَّارِ أو التَّعذيبِ بها

عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرَةً معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمَّرَةُ فجعلت تَعْرِشُ فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها» ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: «من حَرَّقَ هذه؟» قلنا: نحن قال: «إنه لا ينبغي أن يعذِّب بالنار إلا رب النار».

شرح الحديث :

يخبر ابن مسعود -رضي الله عنه- أنهم كانوا في سفر مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم إنه -صلى الله عليه وسلم- مضى لحاجته فوجد الصحابةُ حُمَّرةً، وهي نوع من الطيور، معها ولداها، فأخذوا ولديها، فجعلت تَعْرِش، يعني تحوم حولهم، كما هو العادة أن الطائر إذا أخذ أولاده جعل يعرض ويحوم ويصيح لفقد أولاده، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يطلق ولديها لها، فأطلقوا ولديها. “ثم مَرَّ بقرية نَمْل” يعني مجتمع النمل، “قد أُحْرِقت فقال: من أحرق هذه؟ قالوا: نحن يا رسول الله.
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنه لا يْنِبغِي أن يُعذب بالنار إلا ربُّ النار” فنهى عن ذلك، وعلى هذا إذا كان عندك نمل فإنك لا تحرقها بالنار وإنما تضع شيئًا يطردها مثل الجاز، وهو سائل الوقود المعروف إذا صببته على الأرض فإنها تنفر بإذن الله ولا ترجع، وإذا لم يمكن اتقاء شرها إلا بمبيد يقتلها نهائيًّا، أعني النمل، فلا بأس؛ لأن هذا دفع لأذاها، وإلا فالنمل مما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قتله، لكن إذا آذاك ولم يندفع إلا بالقتل فلا بأس بقتله.

معاني الكلمات :


حُمَّرَةطائر صغير كالعُصفُور.
تَعْرِشُترتفع وتظلل بجناحيها على من تحتها.
قَرْيَة نَمْلٍمَسْكن النَّمْل.

فوائد من الحديث :

  1. مشروعية الاستتار لقضاء الحاجة .
  2. النهي عن تَعْذِيب الطيور وأخذ أولادها .
  3. النهي عن إحراق النَّمل والحَشَرات بالنَّار .
  4. الحثُّ على الرَأفة والرحمة بالحيوان، وسبق الإسلام للغرب في ذلك .
  5. التعذيب بالنار مما اختص به المولى -عز وجل- .