ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا

ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا

{وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ* وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ* وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لأَيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ*وَمِنْ آياتِهِ مَنَامُكُم بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ* وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَيُحْييِ بِهِ الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ*وَمِنْ آياتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَآءُ وَالاَْرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الاَْرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} (20ـ25).

معاني المفردات

{تَنتَشِرُونَ}: تنبسطون في الأرض، وتتفرقون في أطرافها.

{وَابْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ}: الفضل: الزيادة على مقدار الحاجة، ويطلق على العطية، والمراد به هنا: الرزق، وابتغاء الفضل: طلب الرزق.

من آيات الله في الإنسان والكون والحياة

{وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} ثم نفخ فيكم من روحه، فتحوّلتم بشراً أحياءً أسوياء، وجعل من عنصر التراب، في ما يتحول إليه من الغذاء، نطفةً تحمل في داخلها سرّ الحياة {ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ } فتملأون الأرض كلها وتديرون حركتها من خلال خصائص البشرية العاقلة المتحركة.

وتلك هي قصة الإِعجاز في تفاصيل عظمة خلق الإنسان في كل أجهزته التي تمثل النظام الدقيق الذي تتحرك الحكمة في جميع دقائقه، ولكنها الألفة التي يعيشها الإنسان في مواجهته لوجوده، حيث يفقد معها كل شعور بالعظمة والدقة والإِعجاز، مما يريد القرآن له أن يخرج من هذا الجو ليفكر ويتدبر ويجد في ذلك كله الآية الظاهرة الدالة على وجود الله.

آية خلق الأزواج من أنفسكم

{وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا}في أجواء الهدوء النفسي والطمأنينة الروحية، والاستقرار الغريزي، والهدوء العاطفي، في طبيعة التكامل الإنساني في علاقة الرجل بالمرأة، في ما يحس به كل واحد منهما أن الآخر جزءٌ من ذاته وقطعةٌ من نفسه، بحيث يعيش في فراغٍ شعوري هائل عندما يشعر بالابتعاد عنه والحرمان منه، وذلك من خلال طبيعة الانجذاب الذاتي الذي يتحرك في كيان الإنسان من خلال الفطرة التي فطر الناس عليها، ما يجعل من المسألة مسألةً لا تقتصر على الجانب الجنسي في حرارة العلاقة المتكاملة، بل تتعداه إلى سائر الجوانب الروحية والشعورية ذات الآفاق المتنوّعة في أحاسيس الإنسان وتطلعاته. وهكذا يكون التعبير بالسكن في دائرة العلاقة الزوجية، تعبيراً حيّاً يتجاوز السكينة الجسدية الباحثة عما يشبع جوع الغريزة ويروي ظمأها، إلى السكينة الروحية التي يخرج بها الإنسان من الشعور بالعزلة والوحدة والوحشة، إلى الشعور بالاندماج والأنس والالتقاء بالآخر، ما يعمّق في داخله السكينة الروحية في كل آفاق الذات. وربما كان التعبير بكلمة «أزواجاً» إيحاءً بالعلاقة الزوجية التي تمثل الرباط الوثيق الشرعي بين الرجل والمرأة، فهي التي يحس كلٌّ منهما فيها بالشعور بامتلاء الفراغ الروحي في ذاته، حيث يشعر بأن هناك إنساناً ينتظره ويخصُّه ويعيش معه مسؤولية الحياة كلها، كما يعيش معه مسؤوليته تجاه نفسه، تماماً كما هو الجزء مع الجزء، بينما لا تمثل العلاقات الحرّة مثل هذا العمق الشعوري في السكينة الروحية، إذ يعيش الأشخاص في داخلها، ويعبّون من اللذات الجسدية ما شاءت لهم شهواتهم، ولكنهم يرجعون إلى أنفسهم، فيشعرون بالفراغ والقلق بأقسى ما يكونان، لأن الجانب الجسدي وحده، في نطاق العلاقات غير المرتبطة بالوثاق الشرعي، لا يحقق أيّ شيء من ذلك.

علاقة الزواج بالمودة والرحمة في الإسلام

{وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} في ما أودعه في عمق إحساس الرجل والمرأة، من مشاعر الحبّ والودّ، ومن علاقة الرحمة النابضة بالروح الكامنة في حركة الحياة لديهما، في ما يكفل معه كل واحدٍ منهما الآخر، فيتحمل مسؤوليته، فيتألّم لألمه ويفرح لفرحه، ويقوم برعايته في حالات ضعفه، من موقع الرحمة المتحركة في الذات، المرفرفة في الروح والشعور.

وهذا هو سرُّ الإِعجاز في تكوين الإنسان الذي يعيش التنوّع في طبيعة الخصائص الذاتية، ولكنه يتحرك في اتجاه الوحدة والتكامل من خلال حاجة كل خصوصيةٍ إلى الخصوصية الأخرى، بحيث تفقد معنى الحياة من دون التكامل معها، ولذلك فهي تتجه إليها تلقائياً بكل محبّة ورعاية وانجذاب ورحمة تنطلق في حركة الإحساس والممارسة.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ويكتشفون من خلال الفكر المتأمّل العميق أسرار خلق الإنسان في تفاعل خصائص الروح وخصائص الجسد، فينفتح الجسد على الروح في نداء الذات التي لا ترتاح لخصائص الجسد إذا لم تقضِ عليها الروح بمعانيها الروحية، وتتحرك الروح في اتجاه الجسد لتكون حركته وخصوصيته أساسيَّتين في توليد المشاعر الروحية في أفعال العبادة وأخلاقية الممارسة.

وقد نلاحظ أن الله يريد للناس أن يجعلوا التفكير أساساً لحركة العقيدة في الذات، في ما يكشف لها من دلائل العظمة في خلق الله، ما يوحي لها بعظمة الله من أقرب طريق، ويؤكد على الحقيقة الإيمانية في انطلاق الإيمان من حركة العقل في الإنسان، لا من المشاعر العمياء التي لا تخضع للحجة أو الدليل.

وإذا كان الله قد جعل العلاقة الزوجية مبنيّةً على المودة والرحمة في ما هو الانجذاب الذاتي بين الزوجين، فقد نستوحي من ذلك أنه يريد لهما أن يعملا على إخضاع الحركة الإِراديّة في داخل الحياة الزوجية لهذين العنصرين، فتكون المودة القلبية أساساً روحياً للعلاقة بينهما من خلال ما يحمل أحدهما للآخر من مشاعر الود، وتكون الرحمة القائمة على أساس دراسة كل منهما عقلية الآخر وظروفه الخاصة الذاتية والعملية، بحيث يراعيها ويأخذها في الحسبان، وبالتالي عليه أن يرحمه من خلال تقديره لكل العوامل السلبية والإيجابية التي يخضع لها في حركة الخطأ والصواب في علاقته بالآخر، أو في تصرفاته الشخصية في نفسه، ما يجعل العلاقة مرتكزة على العنصر الداخلي الحميم فيما بينهما، أكثر مما هي مرتكزة على القانون في قيوده.

التنوّع في خلق الله

{وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ} في ما يتمثل فيهما من أسرار ودلائل الإبداع من خلال ما بث الله فيهما من الظواهر الكونية، التي تتحرك بالنظام الكوني الذي يخضع له الإنسان وتتحرك من خلاله الحياة، على أساس الحكمة التي تضع كل شيءٍ في موضعه، وتحسب لكل صغيرةٍ وكبيرةٍ من مفرداته حسابها في حركة الوجود، بما يوحي للعقل المتأمِّل بأن وراء ذلك قدرةً حكيمة خالقة أعطت كل شيءٍ هدايته، ومنحته سرّه {وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} كيف اختلفت الألسنة، وكيف نشأت اللغة، وما هو السرُّ في اختلاف اللغات؟ هل هي الحاجة إلى التعبير؟ وكيف اختلفت وسائل التعبير عنها، هل هناك معلّم علّم هؤلاء غير ما علّم أولئك، أو هناك أكثر من معلم تختلف ثقافتهم اللغويّة اللسانية، ومن هو الذي علّمهم؟ هل هناك غير الله الذي ألهم هؤلاء غير ما ألهم أولئك ليكون ذلك سبيلاً للتنوّع الذي قد تختلف فيه الخصائص الذاتية فتتبعها الخصائص الحضارية؟

ثم، كيف اختلفت ألوانهم، وهل السرّ يتعلّق بالأرض، أو بالمناخ؟ وكيف تتفق الألوان في المكان الواحد والمناخ الواحد؟ قد يكون لبعض هذا دخل في هذا وذاك، وقد تكون هناك خصائص ومؤثرات أخرى، ولكن السبب في ذلك هو خالق الإنسان كله، بأسوده وأبيضه وأحمره وأصفره، وعربيّه وأعجميّه، ليكون ذلك أساساً لاختلاف الطباع والأمزجة والخصائص الذاتية، ليكون في اللقاء مع التنوع ما يغني التجارب الإنسانية، ويحقق التعارف القائم على التفاعل والتجاذب والتمازج فيما بين الناس. ومهما كان الأمر، فإن التفسير الوحيد الذي يوضح ذلك كله في السبب الأعمق الكامن خلف كل هذه الظواهر الإنسانية، هو الإرادة الإلهية التي تعلقت بهذا التنوّع العجيب، انطلاقاً من الحكمة التي أراد الله للحياة أن ترتكز عليها، ليعرف الإنسان عظمة الخالق من خلال عظمة خلقه.

{إِنَّ فِي ذلِكَ لأَيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ} الباحثين عن حقائق الكون في كل الظواهر الكونية والإنسانية التي تمثل وحدة النظام وتوازنه واستقراره.

النوم والاكتساب من آيات الله

{وَمِنْ آياتِهِ مَنَامُكُم بِالليْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ} في ما يعبر عنه نظام السكون والحركة في وجود الإنسان الذي يحتاج إلى السعي المتواصل من أجل كسب وسائل العيش، وتنظيم قضايا الحياة، في ما يتوقف عليه نظام حياته في مختلف شؤونها وأوضاعها وعلاقاتها العامة والخاصة، ما يفرض اليقظة المنفتحة على الواقع، في حيوية الإنسان الجسدية، والنور المتدفق من الشمس في النهار الذي يضيء له كل السبل التي يريد السير فيها، والمواقع التي يتحرك في داخلها، كما يفرض الحاجة إلى الراحة الشاملة التي يعيش الجسد فيها في إغفاءةٍ هادئةٍ مستغرفةٍ تسكن فيها الأعضاء، وتهدأ الأعصاب، ويستريح العقل في أجواء الظلام الذي يوحي بالسكينة واسترخاء الجسد. وهكذا كان هذا النظام الدقيق الذي ربط حركة الإنسان وسكونه بالأوضاع الكونية في تعاقب الليل والنهار، فجعل الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار معاشاً، لتستقيم للإنسان حياته، ولينتظم معاشه.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} الحديث عن تفاصيل العظمة في الخلق، فيعون معانيه بعقولهم، فيهتدون إلى دلالة ذلك على وجود الله وتوحيده.

رؤية البرق خوفاً وطمعاً

{وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} في ما يثيره في وعي الإنسان من الخوف إذا كان نذير الصاعقة التي تقتل وتحرق وتدمّر، ومن الطمع إذا كان نذير المطر الذي ينعش ويحيي الأرض والإنسان والحيوان ويدعو ذلك إلى التأمّل والملاحظة الدقيقة التي قد يكتشف فيها الإنسان عمق هذه الظاهرة الكونية وتأثيرها في حركة النظام الكوني الذي تخضع له حركة الحياة كلها، في دلالته على الحكمة والدقة والإِبداع.

الماء يحيي الأرض بعد موتها

{وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَيُحيي بِهِ الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} لأن الماء يؤمن عوامل نموّها وعناصر حركتها وحيويتها وامتدادها، وهو، بالإضافة الى ذلك، يحمل معنى النعمة التي تفتح قلب الإنسان على الله من موقع الشكر العميق، واللفتة الروحية الحميمة، إحساساً بالعلاقة الوثيقة الدائمة بالله التي لا مجال للاستغناء عنها في مسألة الحياة، في كلّ مفرداتها الصغيرة والكبيرة، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لاََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فيرون في هذا التدبير الإلهي سرّ الحكمة، لا معنى الصدفة.

السماء والأرض يقومان بأمر الله

{وَمِنْ آياتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَآءُ وَالاَْرْضُ بِأَمْرِهِ} فهو الذي يدير نظامهما بعد أن خلقهما، فبإرادته تتحركان وتسكنان في مجرى الحركة والسكون في الظواهر المتنوعة التي تحكم نظامهما وتوجّه مسيرتهما وتنظم وجودهما. فإذا كانت هناك قوانين طبيعية وسنن كونية، تمنح نظامهما صفة الحتمية والثبات، فإنها تنطلق من خلال إرادته، فهو الذي خلقها في عمق تكوين السماء والأرض، وهو الذي أشرف على تدبير حركتهما التي أرادها لهما.

{ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الاَْرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} عندما تتعلق إرادته بخروجكم من الأجداث لتقفوا بين يديه في موقف الحساب، فإن الأرض تستسلم لإِرادته، وتنقاد لدعوته، في ما يوحي به إليها من تهيئة الشروط الطبيعية في تكوينها لذلك، ما يوحي إليكم بأن كل الأشياء منوطة بإرادته، فكيف تستبعدون البعث الذي أعدّكم له ووعدكم به، وليس هو إلا بعض مظاهر هذه الإرادة الحاسمة التي تقول لكل شيءٍ كن فيكون.